ابن عجيبة

294

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

حسنه ، وكل ما في الجنة مستغرق في ذلك النور ، فيزيد عليه ضوء الجبروت والملكوت ، فخلق منه حواء ليسكن آدم إليها ، ويستوحش بها سويعات من سطوات التجلي ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم لعائشة - رضي اللّه عنها - : « كلميني يا حميراء » . ثم قال : وقال بعضهم : خلقها ليسكن آدم إليها ، فلما سكن إليها غفل عن مخاطبة الحقيقة ، بسكونه إليها ، فوقع فيما وقع من تناول الشجرة . ه . فكل من سكن إلى غير اللّه تعالى كان سكونه بلاء في حقه ، يخرجه من جنة معارفه . واللّه تعالى أعلم . ثم ردّ على من أشرك من بني آدم ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 191 إلى 195 ] أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 191 ) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 192 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ( 193 ) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 194 ) أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ( 195 ) يقول الحق جل جلاله : أَ يُشْرِكُونَ مع اللّه أصناما جامدة ، لا يخلقون شيئا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ، فهي مخلوقة غير خالقة . واللّه تعالى خالق غير مخلوق ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً أي : لا يقدرون أن ينصروا من عبدهم ، وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ فيدفعون عنها ما يعتريها ، فهي في غاية العجز والذلة ، فكيف تكون آلهة ؟ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ أي : وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا تجيبكم ، فلا تهتدى إلى ما دعيت إليه ؛ لأنها جمادات ، أو : وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى الحق لا تجيبكم ، سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ عن دعائهم ، فالدعاء في حقهم وعدمه سواء ، وإنما لم يقل : أم صمتم ؛ ليفيد الاستمرار على عدم إجابتهم ؛ لأن الجملة الاسمية تقتضي الاستمرار . ثم قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي : تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون اللّه ، هم عِبادٌ أَمْثالُكُمْ من حيث إنها مسخرة مملوكة ، فكيف يعبد العبد مع ربه ، فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنها تستحق أن تعبد ، والأمر للتعجيز ؛ لأن الأصنام لا تقدر أن تجيب فلا تستحق أن تعبد ثم عاد عليهم بالنقض فقال : أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ، ومعناه : أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة ، ومن كان كذلك لا يكون